محمد متولي الشعراوي
9267
تفسير الشعراوي
ومع ذلك لم تتردد أم موسى لحظة في تنفيذ أمر الله ، ولم تتراجع ، وهذا هو الفرق بين وارد الرحمن ووارد الشيطان ، وارد الرحمن لا تجد النفس له ردّاً ، بل تتلقاه على أنه قضية مُسلَّمة ، فوارد الشيطان لا يجرؤ أن يزاحم وارد الرحمن ، فأخذتْ الأم الوليد وأَلْقَتْه كما أوحى إليها ربها . وتلحظ في هذه الآيات أن آية القصص لم تذكر شيئاً عن مسألة التابوت : { فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم } [ القصص : 7 ] هكذا مباشرة . قالوا : لأن الحق سبحانه تكلم عن الغاية التي تخيف ، وهي الرَّمي في اليم ، وطبيعي في حنان الأم أنْ تحتال لولدها وتعمل على نجاته ، فتصنع له مثل هذا التابوت ، وتُعِدّه إعداداً مناسباً للطَفْو على صفحة الماء . فالكلام هنا لإعداد الأم وتهيئتها لحين الحادثة ، وفَرْق بين الخطاب للإعداد قبل الحادثة والخطاب حين الحادثة ، فسوف يكون للأمومة ترتيب ووسائل تساعد على النجاة ، صنعتْ له صندوقاً جعلت فيه مَهْداً ليّناً واحتاطتْ للأمر ، ثم يطمئنها الحق سبحانه على ولدها : { وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني } [ القصص : 7 ] فسوف نُنجيه ؛ لأن له مهمة عندي { إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين } [ القصص : 7 ] . فإذا ما جاء وقت التنفيذ جاء الأمر في عبارات سريعة متلاحقة : { أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل } [ طه : 39 ] . لذلك ، تجد السياق في الآية الأولى هادئاً رتيباً يناسب مرحلة الإعداد ، أما في التنفيذ فقد جاء السياق سريعاً متلاحقاً يناسب سرعة التنفيذ ، فكأن الحق سبحانه أوحى إاليها : أسرعي إلى الأمر